السيد رضا الصدر

16

محمد ( ص ) في القرآن

على الشهود . إنّ قيمة الأرض هي بقيمة من يمرّ عليها ، وقد يمرّ عليها وحش ذو ظفر وناب ، فإذا بها غاب وقد يمرّ عليها إنسان فإذا بها وطن حرّية ، أو سماء شاعريّة ، أو مهبط وحي ونبوّة ، ومرّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله في الجزيرة ، فإذا بها اختصار مهابط الوحي ؛ لأنّ الشخصيّة المحمديّة بالنسبة للرسل تغنينا عن الكلّ ، ولأنّها صورة الكلّ في مرآة الكلّ . لا يعجب الناس لألوان الأزهار والعطور في الرياض الناضرة ، ولكنّ عجبا سيملأ قلوبهم حين يرونها مستوية على سيقانها في الصحراء الجديبة المختصرة بلهب الرمل ، وزفيف الريح ، واختناق الحياة . وكان النور الذي لا حساب لفيضه - إن في الليل وإن في النهار - في غاره وقلبه ، وكانت كلمة « اقرأ » ميلاده الجديد ، ميلاد مسئوليّته ، وفاتحة وساطته بين السماء والأرض . ومشت به الطريق الصعب إلى غايتها المثلى ، وما أدراك خلال ثناياها ما سواد الفجور والشرور ، وما ويلات الأحقاد في الصدور ، وما نفثات الغدر في الصدور ؟ ! وتوهّج محمّد صلّى اللّه عليه وآله كلمة اللّه ونوره وإرادته على العصور . التأريخ المحمديّ وثيقة لافتة ومدعّمة لصورة أعظم ملحمة في التأريخ الديني . إنّ العقيدة لا تبلغ النصر والفتح إلّا بعد أن تنتصر على أصحابها ، وبهذا النصر - الذي كان نسخة مفردة - سحق محمّد صلّى اللّه عليه وآله صنميّة الإنسان قبل أن يسحق صنميّة الحجر ، وتحطيم القيد النفسي أحوج إلى البذل ، وأدعى إلى التضحية من تحطيم القيد اليدوي . وانتصر محمد الإنسان قبل أن ينتصر محمد النبوّة ، فكان محمد الثاني بمحمد الأوّل ، وكانت عظمة محمّد صلّى اللّه عليه وآله الإنسان هي هي قبل النبوّة وبعدها . عجبا ! أيّ عجب لإنسان قادر على التسوّر كالعملاق ، وعلى الانتصاب كالسماء ، وعلى التماسك كالجبال ، وعلى التمدّد كالآفاق ، فينقلب متآكلا كالعناكب ، ضامرا كالبعوض ، مرميّا كالفضلات ، ضائعا كالفراغ ! وطفق محمّد صلّى اللّه عليه وآله يمدّ على الدهر جناحا . صيحاته الحقّ لها لفح لهب ، ولها زفيف ريح ، ولها وجه ثورة .